السيد الخامنئي

88

مكارم الأخلاق ورذائلها

وهؤلاء هم المرجفون الذين يحذرهم القرآن إنهم إذا لم يكفوا عن عملهم ، ليغرينّك بهم ويؤلبك عليهم . وهذا حد للحرية . إذن الفارق الآخر الذي تتسم به الحريّة في المنطق الإسلامي هو أنّ لها قيودا من القيم المعنوية . وهناك فارق آخر أيضا وهو أنّ الحرية في منطق الفكر الليبرالي الغربي تتنافى مع التكليف ؛ على اعتبار أنّ الحرية تعني التحرر من التكليف أيضا . في حين يذهب الإسلام إلى أنّ الحرية هي الوجه الآخر للتكليف ، والناس أحرار لأنهم مكلفون . وإذا لم يكن هناك تكليف فلا ضرورة للحرية ، ولكانوا على طبائع الملائكة ؛ وكما قال الشاعر مولوي ما معناه : إنه جاء في الحديث أنّ الخلاق المجيد خلق العالم على ثلاثة أنماط ، وأحد هذه الأنماط هم الملائكة الذين كلّهم عقل وعلم ولا يعرفون غير السجود للّه . بينما يتصف البشر بأنه مركّب من جملة غرائز ودوافع متناقضة يسير من بينها على طريق الكمال . وقد منح الحرية من أجل طي طريق الكمال هذا . وهذه الحرية على ما لها من قيمة إنّما منحت له من أجل تكامله ، مثلما أنّ حياته نفسها وهبت له في سبيل السير نحو الكمال . ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 1 » فهو تعالى خلق الجن والانس من أجل أن يبلغوا مرتبة العبودية ، وهي مرتبة عالية جدا . والحرية أيضا كحق الحياة ، تمثل مقدّمة للعبودية . بلغوا في الغرب في رفضهم للتكليف مرحلة رفضوا معها كل تفكير ديني وغير ديني ، وكل عقيدة فيها تكليف ، وحلال وحرام ، ويجب أو لا يجب . ويلاحظ حاليا في مؤلفات الكتّاب الليبراليين الأمريكيين ومن يحذون حذوهم ، ومن يتخذونهم بمثابة أنبياء لهم - مع أنهم ينتمون إلى أمم في بلدان أخرى ، ويشكل بعض الأفراد في بلادنا -

--> ( 1 ) سورة الذاريات : 56 .